وهبة الزحيلي
25
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
ولهذا لما ضاق على المستضعفين بمكة مقامهم فيها ، خرجوا مهاجرين إلى أرض الحبشة ، ليأمنوا على دينهم هناك ، فوجدوا خير المنزلين لدى أصحمة النجاشي ملك الحبشة رحمه اللّه تعالى ، فآواهم وأيدهم بنصره ، ثم هاجر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والصحابة الباقون إلى المدينة المنورة . وبعد أن أمر اللّه تعالى عباده بالحرص على العبادة والإخلاص فيها وصدق الاهتمام بها ، أبان أن الدنيا ليست بدار بقاء ، وأمر بالاستعداد إلى دار الجزاء ، فقال : كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ أي إن الموت كائن لا محالة بكل نفس ، وأينما كنتم يدرككم الموت ، فكونوا في طاعة اللّه ، وحيث أمركم اللّه ، فهو خير لكم ، فإن الموت لا بدّ منه ولا محيد عنه ، سواء في الوطن أو خارجه ، ثم إلى اللّه المرجع والمآب ، فمن كان مطيعا له جازاه أفضل الجزاء ، ووافاه أتم الثواب . والخلاصة : أن المكروه لا بد من وقوعه ، فلا يصح أن يصعب على المؤمنين ترك الأوطان ومفارقة الإخوان . ثم بيّن اللّه تعالى نوع جزاء المؤمن المهاجر بدينه ، فرارا من الشرك والمعاصي فقال : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ، خالِدِينَ فِيها ، نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ أي والذين صدقوا باللّه ورسوله ، وعملوا صالح الأعمال من التزام أوامر اللّه واجتناب نواهيه ، لننزلنهم أو لنسكننهم منازل عالية في الجنة تجري من تحت أشجارها الأنهار ، على اختلاف أصنافها من ماء وخمر وعسل ولبن ، ماكثين فيها أبدا ، لا يبغون عنها حولا ، جزاء لهم على أعمالهم ، نعم الجزاء ، ونعمت هذه الغرف أجرا على أعمال المؤمنين .